سيد محمد طنطاوي

87

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقوله : * ( أَقْنى ) * من القنية بمعنى الادخار للشيء ، والمحافظة عليه . قال الآلوسي : قوله : * ( وأَنَّه هُوَ أَغْنى وأَقْنى ) * أي : وأعطى القنية وهو ما يبقى ويدوم من الأموال ، ببقاء نفسه ، كالرياض والحيوان والبناء . وأفرد - سبحانه - ذلك بالذكر مع دخوله في * ( أَغْنى ) * لأن القنية أنفس الأموال وأشرفها . . وإنما لم يذكر المفعول ، لأن القصد إلى الفعل نفسه . . « 1 » . وقوله : * ( وأَنَّه هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ) * أي : وأنه - سبحانه - هو رب ذلك الكوكب المضيء ، الذي يطلع بعد الجوزاء في شدة الحر ، ويسمى الشعرى اليمانية . وخص هذا النجم بالذكر ، مع أنه - تعالى - هو رب كل شيء لأن بعض العرب كانوا يعبدون هذا الكوكب ، فأخبرهم - سبحانه - بأن هذا الكوكب مربوب له - تعالى - وليس ربا كما يزعمون . قال القرطبي : واختلف فيمن كان يعبده : فقال السدى : كانت تعبده حمير وخزاعة . وقال غيره : أول من عبده رجل يقال له أبو كبشة ، أحد أجداد النبي صلى اللَّه عليه وسلم من جهة أمهاته ، ولذلك كان مشركو قريش يسمون النبي صلى اللَّه عليه وسلم ابن أبي كبشة . حين دعاهم إلى ما يخالف دينهم . . « 2 » . وبعد هذه الجولة في الأنفس والآفاق ، ساقت السورة جانبا من مصارع الغابرين ، فقال - تعالى - : * ( وأَنَّه أَهْلَكَ عاداً الأُولى . وثَمُودَ فَما أَبْقى . وقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وأَطْغى . والْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى ) * . أي : وأنه - تعالى - هو الذي أهلك بقدرته قبيلة عاد الأولى ، وهم قوم هود - عليه السلام - . وسميت قبيلة عاد بالأولى ، لتقدمها في الزمان على قبيلة عاد الثانية ، التي هي قوم صالح - عليه السلام - ، وتسمى - أيضا - بثمود . وقوله : * ( وثَمُودَ ) * معطوف على عاد . أي : وأنه أهلك - أيضا - قبيلة ثمود ، دون أن يبقى منهم أحدا . وهلاك هاتين القبيلتين قد جاء في آيات كثيرة منها قوله - تعالى - : كَذَّبَتْ ثَمُودُ وعادٌ بِالْقارِعَةِ . فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ . وأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 69 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 17 ص 119 .